أسلوب حياة الأمريكيين أشبه ما يكون بأسلوب حياة أثرياء الحرب الذين وجدوا أنفسهم فجأة غارقين بثروة لم يكن لديهم منها شيء، وحصلوا عليها دون عناء، ولذلك فإنهم ينفقونها من أجل تحقيق راحتهم، لا من أجل سعادتهم.
فالأمريكي ينفق من أجل شراء ميكروويف وثلاجة ومكيف هواء، ويصر على أن تكون سيارته وحياته “فول اوتوماتيك”: كبسة الزر هي التي تفتح شبابيك السيارة، وأبواب الكاراج أوتوماتيكية تفتح من تلقاء نفسها، وتغلق تلقائياً بعد دخوله، والسبب هو أنه لا يريد ان يكلف نفسه مشقة فتح الباب، وإذا شاء زيارة السوبر ماركت الذي يبعد بضعة أمتار عن منزله فإنه يستقل سيارته، أما الأوروبي فيذهب إلى السوبر ماركت سيرا على الأقدام مهما كان بعيدا، ويقتصد في الإنفاق على راحته، ويغالي في الإنفاق على الأشياء التي تحقق له السعادة. والرفاهية التي يعيشها الأمريكيون جلبت لهم السمنة، وفي الوقت نفسه يتحدث الأمريكيون عن “المفارقة الفرنسية” ويقولون: “إننا نحسب السعرات الحرارية في وجباتنا الغذائية بالورقة والقلم، ونسبة الشحوم في الوجبات الفرنسية أكثر منها في الوجبات الأمريكية، ومع ذلك فإن الفرنسيين أكثر رشاقة منا، ونسبة انتشار أمراض القلب التي تسببها السمنة بيننا أعلى مما هي لديهم بما يزيد على 30% فما هو السبب في هذه المفارقة الغريبة”؟ والجواب نجده في الفرق بين الذي يذهب إلى السوبر ماركت المجاور لمنزله بالسيارة، والذي يذهب إليه سيرا على الأقدام.وعلى العموم فإن هذا الموضوع كان محور كتاب صدر قبل مدة بعنوان: “رشاقة وجمال في الغرب” من تأليف الدكتور بيتر ستيرنز، جاء فيه أن الأمريكيين أكثر شراهة من غيرهم من الشعوب، وهم أشبه بمحدثي النعمة الذين يرفضون معالجة الغريق بالتنفس “الاصطناعي” بحجة أنهم قادرون على دفع ثمن التنفس “الحقيقي” مهما كان مرتفعا، فتكون النتيجة أن يظل الغريق دون إسعاف ويقول الدكتور ستيرنز إن معالجة السمنة بالريجيم وغيره تزيد تفاقم المشكلة ولا تحلها، إنه تبسيط للأزمة لا معالجة لها، وهو أشبه بشخص أضاع مفتاحه في طريق، فبدأ يبحث عنه تحت عمود للنور، ومر به أحدهم وسأله: “عم تبحث”؟ قال: “عن مفتاحي” وسأله: “وأين أضعته؟”، فأشار الرجل بيده إلى الجانب الآخر من الطريق وقال: هناك، فقال له: “ولماذا لا تبحث عنه هناك”؟ فقال: “لا يوجد نور هناك”.ويقول الدكتور بيتر ستيرنز معقبا على ذلك: واضح أن الفارق بين الأوروبيين والأمريكيين أكثر من مجرد فرق في عدد السعرات الحرارية في الوجبة الواحدة، إنه فرق في أسلوب الحياة، ولن يتمكن الأمريكيون من مجاراة الأوروبيين في اللياقة البدنية إلا إذا اعتمدوا أسلوبا مشابها لأسلوب حياة الأوروبيين، ومن هنا فإن ما يتحدث عنه الأمريكيون ويطلقون عليه “المفارقة الفرنسية” ليس مفارقة على الإطلاق وإنما تحصيل حاصل، أما المعضلة الأمريكية فإنها معضلة بالفعل، وسببها الكسل، وفلسفة كبس الأزرار. المصدر