السمنة والسكري تكلف مليارات الدراهم

  • لاشك أننا ندرك جميعاً الثمن الإنساني الفادح الذي يدفعه الجنس البشري حالياً جراء تفشي مرض السكري، وهو الثمن الذي يتضح بشكل أكبر في الدول التي تبلغ معدلات الإصابة فيها أقصاها، مثل دولة الإمارات التي يصيب السكري 20 في المئة من سكانها حسب أكثر التقديرات تحفظاً، مع تواتر التوقعات بأن يصبح ثلث سكان الدولة مصابين بالسكري بحلول عام 2025. وهذا العدد الهائل من المرضى، وبخلاف تبعات المرض الصحية، ومضاعفاته الطبية، يشكل عبئاً هائلا على نظم الرعاية الصحية، وعلى الموارد المالية المخصصة لها. وهذه الحقيقة ظهرت للعيان بشكل جلي في منتصف الشهر الماضي، عندما نشرت جريدة محلية تصدر باللغة الإنجليزية، تحقيقاً عن تكاليف علاج السكري في إمارة أبوظبي، صرحت من خلاله رئيسة برامج الصحة العامة بهيئة الصحة بأن تكاليف علاج السكري في إمارة أبوظبي وحدها تزيد عن مليار دولار، أو ما يساوي 3700 مليون درهم. ولعل هذا الرقم سبب صدمة للجميع، بما في ذلك العاملون في المجال الطبي، والمتخصصون منهم في علاج السكري ومضاعفاته. وقد اعتقدت شخصياً أن هناك خطأ مطبعياً، أو أن رئيسة قسم برامج الصحة العامة قد مالت إلى المبالغة. فشرعت في إجراء بحث سريع على تكاليف علاج مرضى السكري حول العالم، وخصوصاً في الولايات المتحدة، الدولة الأكثر هوساً في العالم بالإحصائيات والأرقام والمسوحات.

    وكانت المفاجأة أن أحد المراكز القومية الأميركية المتخصصة في جمع ونشر المعلومات عن السكري (The National Diabetes Information Clearinghouse)، كان قد قدر بأن تكلفة علاج السكري في الولايات المتحدة وحدها، يزيد عن 132 مليار دولار سنوياً. وهذا الرقم على ضخامته، يبدو شديد التحفظ في ظل الدراسات الأكثر حداثة في هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، نشرت جريدة "يو إس توداي" الأميركية في شهر نوفمبر الماضي، خبراً عن دراسة أجرتها الجمعية الأميركية لمرض السكري (American Diabetes Association) بالتعاون مع إحدى أكبر الشركات المصنعة للإنسولين وحبوب علاج السكري (Novo Nordisk)، أظهرت أن تكلفة السكري في الولايات المتحدة تزيد سنوياً عن 218 مليار دولار. وهذا الفرق في تقدير التكلفة، ربما يعود إلى أن الدراسة الأخيرة أخذت في الاعتبار الفئات الثلاث لتكلفة علاج السكري، وهي التكلفة المباشرة المتمثلة في الحبوب والإنسولين، والفحوصات الدورية وغيرها، والتكلفة غير المباشرة المتمثلة في علاج مضاعفات السكري، مثل الفشل الكلوي، والعين السكرية، والقدم السكرية وغير ذلك، وفي النهاية هناك أيضاً التكلفة الناتجة عن خسارة أيام العمل، وتراجع الإنتاجية، وخسارة رأس المال البشري بسبب الوفيات المبكرة التي تنتج عن السكري.

    ولا يمكن البحث في تكلفة السكري، دون ربطها بوباء آخر هو وباء السمنة، الذي يعتبر أحد أهم أسباب الإصابة بالسكري من النوع الثاني. وهو ما يتضح من حقيقة أن 55 في المئة من المصابين بهذا النوع من السكري يعانون من السمنة، وخصوصاً السمنة المركزية. ووفقاً لبعض الآراء، أصبحت السمنة قوة اقتصادية سلبية، ذات تأثير عام على الاقتصاد، مثلها مثل أسعار البترول، وتكلفة الطاقة، وأسواق الأسهم. فالإحصائيات تظهر أن الأميركيين ينفقون سنوياً على منتجات الحمية وخفض الوزن ما يتراوح بين أربعين إلى مئة مليار دولار في السنة الواحدة. وفي الوقت نفسه تبلغ تكلفة علاج المضاعفات الصحية للسمنة حوالي 79 مليار دولار سنوياً، أو ما يعادل 9 في المئة من مجمل الإنفاق الصحي في الولايات المتحدة. وعلى رغم أن هذه النسبة تنخفض إلى 2.5 في المئة في كندا مثلا، إلا أن مضاعفات السمنة لا زالت تشكل بند مصروفات صحية هائلا يزيد عن ملياريْ دولار كندي سنوياً.

    ولا تتوقف تكلفة السمنة على علاج المضاعفات الصحية، حيث يتعرض زائدو ومفرطو الوزن لنظرة اجتماعية سلبية، وتمييز سلبي في العمل، وربما يكون ذلك بسبب ارتفاع معدل الغياب عن العمل بين زائدي الوزن مقارنة بأقرانهم، وارتفاع معدل عدد أيام الإجازات المرَضية لهم أيضاً، وهو ما يؤدي إلى زيادة تكلفة العمالة على جهة العمل، ويقلل من الإنتاجية بوجه عام. وهذا التمييز ينتج عنه في النهاية ارتفاع معدلات البطالة بنسبة أكبر بين زائدي الوزن، وضعف احتمالات ترقيتهم وتقدمهم في السلم الوظيفي مقارنة بأقرانهم، بالإضافة إلى أن زائدي الوزن يحصلون على أجر أقل عموماً مقابل نفس الوظيفة ونفس ساعات العمل. ويتفاقم هذا الوضع في بعض القطاعات الاقتصادية، مثل قطاع الطيران، وقطاع الصناعات الغذائية. فشركات الطيران تتعرض حالياً لضغوط كي تزيد من مساحة الجلوس المخصصة للشخص الواحد، للتكيف مع زيادة حجم الركاب وزيادة أوزانهم. ومثل هذا الإجراء يخفض من عدد المقاعد المتاحة على الرحلة الواحدة، ويقلل بالتبعية من ربحية شركات الطيران. وفي الوقت نفسه تنتج عن زيادة وزن الركاب، زيادة مماثلة في استهلاك الوقود وارتفاع التكلفة على شركات الطيران. وهذا البند الأخير حسب بعض التقديرات، يكلف شركات الطيران 275 مليون دولار سنوياً. أما قطاع الغذاء، وبالتحديد مطاعم الوجبات السريعة، فقد أصبحت تتعرض مؤخراً لسيل من الدعاوي القضائية التي تتهمها بالتسبب في سمنة الزبائن، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة التأمين على هذه المطاعم، وهي التكلفة التي يتحملها المستهلك في النهاية.

    المصدر